بـسـم الله الـرحـمـن الـرحـيـم
الأمــانــة
التمهيد : من فكر مليا وجد الحياة تقوم على أساسين اثنين :
أ ـ صلة الخالق بالمخلوق إيجادا ورعاية وحفظا .
ب ـ صلة الإنسان بأخيه الإنسان معاملة ومعايشة واحتياجا .
فمن حق الإله الخالق الرازق الحافظ على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ويشكروه ولا يجحدوا فضله ، ومن حق الإنسان على أخيه الإنسان أن يعامله معاملة تنتظم بها شؤون المجتمع و تطيب بها الحياة ولا تتحقق الغاية المطلوبة من وراء هاتين الصلتين إلا بالأمانة .
و الأمانة أحد الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره وهي ضد الخيانة ، وهي مصدر كالأمان ، و الأمان من الأمن وهو ضد الخوف ، ولما كان الأمين إنسانا مأمون الجانب لا يخشى عدوانه على حقوق غيره كانت ساحته ساحة أمان ، فتعريف الأمانة يشتمل على ثلاثة عناصر :
1- عفة الأمين عما ليس له بحق . 2- تأدية الأمين ما يجب عليه من حق لغيره .
3- اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه من حقوق غيره وعدم التفريط فيها والتهاون بشأنها .
فالأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة ، وهي ترمز إلى معان شتى مناطها جميعا شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه ، وإدراكه الجازم بأنه مسؤول عنه أمام ربه على النحو الذي فصله الحديث (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راع و هو مسؤول عن رعيته ، و الرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها ، و الخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته ، و الرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته ، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )) البخاري
والأمانة معاشر الحضور على ثلاثة أنواع :
1- أمانة العبد مع خالقه 2- أمانة العبد مع سائر الناس 3- أمانة العبد مع نفسه .
وتتمثل أمانة العبد مع خالقه تعالى أساسا في اتباع دينه وحمايته ومقاومته للمنحرفين ، ومحاربته للمشعوذين المبطلين ، وإنارة الطريق بالعلم والهدى ، والمجاهرة بكلمة الحق . قال تعالى : (( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض و الجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا )) .
** فمن معانيها : وضع كل شيء في المكان الجدير به ، فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به ، عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : قلت يا رسول الله ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على منكبي ، ثم قال : (( يا أبا ذر إنك ضعيف و إنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها و أدى الذي عليه فيها )) مسلم . ( لم يره جلدا لها ) .
ألا ترى إلى يوسف ـ عليه السلام ـ إنه لم يقدم نفسه لإدارة شؤون المال بنبوته وتقواه فحسب ، بل بحفظه وعلمه أيضا قال تعالى : (( … اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم )) يوسف55 .
وجاء رجل يسأل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : متى تقوم الساعة ؟ فقال له : إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ، فقال : وكيف إضاعتها ؟ قال : إذا أوسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة )) البخاري .
** ومن الأمانة أن يحرص المرء على أداء واجبه كاملا في العمل الذي يناط به ، وأن يسهر على حقوق الناس التي وضعت بين يديه ، وخيانة هذه الواجبات تتفاوت إثما ونكرا ، قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إذا جمع الله بين الأولين و الآخرين يوم القيامة ، يرفع لكل غادر لواء يعرف به ، فيقال : هذه غدرة فلان ………)) مسلم .
** ومن الأمانة ألا يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه لجر منفعة لشخصه أو قرابته ، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول )) أبوداود ، وقال تعالى : (( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون )) آل عمران 161 .
وحدث أن استعمل النبي رجلا من الأزد يقال له بن اللتبية على الصدقة ، فلما قدم بها قال : هذا لكم ، وهذا أهدي إلي ، فقام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : (( أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول : هذا لكم ، وهذا هدية أهديت إلي ، أفلا جلس في بيت أبيه و أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا ؟؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة ، فلا أعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ، ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول : اللهم هل بلغت ؟ )) مسلم .
** ومن الأمانة أن تحفظ حقوق المجالس التي تشارك فيها ، وكذا ما يضمه البيت من شؤون العشرة بين الزوجين ، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة : الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها )) أحمد .
** ومن الأمانة العلم يجب العمل به وتعليمه للناس ولا يخوض فيه عن جهل وضلال ، ومن سئل عما لا يعلم فليقل الله أعلم ، ومن قال لا أدري علمه الله ما لم يدر .
** ومن الأمانة شهادة الحق يجب أداؤها على الوجه الصحيح ولا يكتمها لقوله تعالى : (( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم )) البقرة 283 .
** ومن الأمانة تربية الأبناء وتنشئتهم نشأة إسلامية صالحة لبناء مجتمع ، ومن الأمانة الصدق في المعاملات من بيع وشراء وعدم التطفيف في الكيل و الميزان ،…… إلخ .
** ومن الأمانة الودائع التي تدفع إلينا لنحفظها حينا ثم نردها إلى أصحابها حين يطلبونها ، وقد استخلف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند هجرته ابن عمه علي بن أبي طالب ليسلم المشركين الودائع التي استحفظها لأن الشريف لايتضع مع الصغار ، قال ميمون بن مهران : " ثلاثة يؤدين إلى البر و الفاجر : الأمانة ، و العهد ، وصلة الرحم "
وقال تعالى : (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )) النساء 58 .
** ومن الأمانة أن تنظر إلى حواسك التي أنعم الله بها عليك و إلى المواهب التي خصك الله بها ، وإلى ما حبيت من أموال و أولاد ، فتدرك أنها ودائع الله الغالية عندك فيجب أن تسخرها في قرباته ومرضاته ، قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم و أنتم تعلمون ، واعلموا أنما أموالكم و أولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم )) الأنفال 27 ، 28 .
و كما علمتم أن من أعظم الأمانات تربية الأبناء تربية حسنة ، ونحن نغتنم هذه الفرصة لنتوجه بهذا النداء إلى كل مرب ( معلم ، أستاذ ، مراقب ، مدير ،.....) :
أيها المربي : إن منزلتك منزلة قائد الكتيبة الأمامية من الجيش فإذا انهزمت كان انهزامك الضربة القاضية ، ومن المؤلم أن تجهل لك أمتك هذه المنزلة ، وتتجاهلها أنت في كثير من الأحيان .
أيها المربي : إنك تبني جيلا وتعد عتادا يتضاءل أمامه كل عتاد ، وتهيء من الجنود ما يثبت في وجه العواصف كالأطواد ، إنك تثبت في الأرض القواعد الأساسية : لغة ودين وتاريخ وشخصية الإسلام ، هذه هي قيمتك الحقيقية في الواقع فلا تضع نفسك دونها ، فعلى قدر قيمتك تكون مسئوليتك .
أيها المربي : لا تكن شخصا جديرا بالرثاء ، ولا جسرا يعبر عليه الناس إلى الغايات البعيدة و أنت لا تبرح مكانك ، ولكن كن شخصا يستحق الإكبار و الاحترام ، واصنع أشخاصا كثيرين يستحقون الإكبار و الاحترام ، بل إن مهمتك صنع الأجيال المتعاقبة ، فاعرف قيمتك واعرف قيمة هؤلاء الذين بين يديك ، إنك مسؤول عنهم مسؤولية الأنبياء عن أممهم التي بعثوا إليها ، علمهم تقوى الله قبل كل شيء ، و الشعور بالمسؤولية ، والاضطلاع بالمهمات ، والصبر على المكاره والمثابرة على العمل ، والصدق في القول ، و الإخلاص للوطن ، والطموح إلى الكمال ، علمهم أن الحياة كفاح ، و أن العمر أنفاس ، و أن ما مضى من الوقت لا يعود ، قو فيهم ملكة الملاحظة ، و افتح عيونهم على ما في الكون من تناسق وجمال وكمال ………………
أيها المربي : احذر أن تنسى أنك القالب و الطابع والدليل وأن هذا الطفل ينظر إلى عملك قبل قولك ، و يأخذ بسلوكك أكثر مما يأخذ بأمرك ونهيك ، فلو انحرفت ولو لحظة رميت بمركبة الأجيال في الهوة السحيقة ، وإذا زاغ بصرك يمنة أو يسرة جاءت على يدك البصائر حولا كما يقول شوقي ، فما أعظم مسئوليتك .
والله ولي التوفيق .