بـسـم الله الـرحـمـن الـرحـيـم
( حقيقة الإيمان بالله : أ ـ حب الله و رسوله )
التمهيد : الحمد لله رافع الدرجات لمن انخفض لجلاله ، و فاتح البركات لمن انتصب لشكر أفضاله ، و الصلاة و السلام على من مدت عليه الفصاحة رواقها و شدت به البلاغة نطاقها ، المبعوث بالآيات الباهرة و الحجج ، المنزل عليه كتاب عربي بين ، و على آله الهادين و أصحابه الذين شادوا الدين إلى يوم الهول و اليقين .
أخــــــا الإســــــلام :
سل الواحة الخضراء و الـماء جـاريـا و هذه الصحارى و الجبال الرواسي
سل الروض مزدانا ، سل الزهر و الندى سل الليل و الإصباح و الطير شاديا
و سل هذه الأنسام و الأرض و الـسمـا و سل كل شيء تسمع الحمد ساريا
فلو جن هـذا الليل و امـتـد سـرمـدا فمن غير ربي يرجع الصبح ثانـيا
-خطبة قضاء الحاجة ....................
معاشر الحضور : يمثل الإيمان أكرم صلة بين الإنسان و خالقه ، ذلك أن أشرف ما في الكون هو الإنسان و أرف ما في الإنسان قلبه ، و أشرف ما في القلب هو الإيمان ، و من ثم كانت الهداية إلى الإيمان أجل نعمة ، قال الله تعالى : (( يمنون عليك أن أسلموا ، قل لا تمنوا علي إسلامكم ، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان )) الحجرات 17 ، و قال الله تعالى : (( .. و لكن الله حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم و كره إليكم الكفر و الفسوق و العصيان ، أولئك هم الراشدون ، فضلا من الله و نعمة )) الحجرات 7 .
فالإيمان بالله إخوة الحق و الإيمان ليس مجرد كلمة تقال باللسان ، إنما هو عقيدة تستقر في القلب ، تغذيها العبادة ، فتثمر الاستقامة ، و كما ورد عن الحسن البصري : ( ليس الإيمان بالتمني و لا بالتحلي ، و لكن ما وقر في القلب و صدقه العمل ، و إن قوما غرتهم الأماني قالوا نحسن الظن بالله ، كذبوا لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل ) ، فالإيمان عقيدة تملأ القلب و تصدر عنها آثارها ، كما تصدر عن الشمس أشعتها،وكما يصدر عن الورد شذاه، فهناك اخوتي مقاييس كثيرة يمكن لكل منا أن يقيس بها إيمانه.
المقياس الأول : حب الله و رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
و ينبغي أن يكون هذا الحب أكبر من أي حب آخر ، قال الله تعالى : (( و الذين آمنوا أشد حبا لله )) ، و تنشأ محبة العبد لخالقه بإثارة القوى العقلية و الروحية ، و عمق النظر في ملكوت السماوات و الأرض و حسن التدبر لآيات القرآن و كثرة ذكر الله مع حضور القلب ، و متى رسخت هذه المحبة و تعمقت جذورها ، كان الله هو الغاية ، و آثره الإنسان على كل شيء ، و ضحى من أجله بكل شيء ، أما إذا كانـت هناك أشياء أحب إلى الإنسان من الله و رسوله ، فثمة خلل في العقيدة ، و ضعف في الإيمان ، بدليل قول الله تعالى : (( قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين )) التوبة 24 .
فالإيمان إخوة الحق لا يكمل إلا بالحب الحقيقي ، حب الله ، و حب رسوله ، و حب الشريعة التي جاء بها و لنستمع لقول الحبيب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ : روى البخاري و مسلم عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما ، و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، و أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف به في النار )) ، فهذا كله من علامات صحة النفس ، و سلامة القلب ، فإنه لا كمال للإنسان إلا بمعرفة جلال الله و الإحساس بنعمه و رحمته .
معاشر الحضور : إن حبنا لله و لرسوله الكريم أصل من أصول عقيدتنا ، و ليس حبا عاطفيا مثلما يحب أحدنا ولده أو والده أو أهله ، لأنه غير كاف للإيمان ، إذ لو كان الحب العاطفي كاف للإيمان برسول الله لآمن به عمه أبو طالب الذي أيده و ناصره و ذاد عنه و عن دعوته لكنه في النهاية مات مشركا ، كما أنه ليس حبا جبريا إذ لو كان كذلك لثبت أن للنبي قوة تجبر الناس على الإيمان به ، و إنما هو حب إيماني أساسه قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده و ولده و نفسه التي بين جنبيه و الناس أجمعين )) ، و جاء عمر ذات مرة إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : يا رسول لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال الرسول : (( لا يا عمر ؟ )) ، فقال : و الذي بعثك بالحق يا محمد لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( الآن يا عمر )) ..
و نجد أن الله قد أثبت هذه المحبة للمؤمنين فقال : (( و الذين آمنوا أشد حبا لله )) ، و قال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ………..)) ، و قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه و أحبوني لحب الله إياي )) الترمذي و قال حديث حسن .
و لهذا أثبت تاريخ الإسلام عظم حب الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لله و رسوله ، حتى وصلوا إلى درجة التضحية بالنفس و المال في سبيل الله و طاعته ، و إليكم اخوة الحق و الإيمان هذه النماذج الفذة
•هذا أنس بن النضر حز في نفسه عدم مشاركته في غزوة بدر الكبرى ، فقال : أول مشهد شهده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غبت عنه ، لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ ليرين الله عز وجل ما أصنع ؟ ) ، فشهد أحد ، فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال له سعد :يا أبا عمرو أين ؟ ، فقال : واها لريح الجنة إني أجده دون أحد ؟؟ ، ثم قاتل حتى قتل ، ووجـد فـي جسده بضع و ثمانون بين ضربة سيف و طعنة رمح و رمية سهم ، و لم تعرفه إلا أخته من بنانه ، و فيه و في أصحابه نزل قول الله تعالى : (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا )) الأحزاب 23 .
•و محبة الله و رسوله هي التي دفعت مصعب بن عمير على ترك ما كان ينعم به من طيب العيش إلى الفقر و الحرمان ، قال عمر( رضي الله عنه): نظر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مصعب بن عمير و عليه إهاب كبش قد تمنطق به ، فقال : (( انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه ، لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطيب الطعام و الشراب، فدعاه حب الله و رسوله إلى ما ترون )) .
• لما هم المسلمون بفتح فارس ، و كانت موقعة القادسية في السنة الساسة عشر من الهجرة ، حضرت الخنساء و أوصت بنيها الأربعة فقالت : ( يا بني : إنكم أسلمتم طائعين و هاجرتم مختارين ، و الله الذي لا اله إلا هو إنكم لبنوا رجل واحد ، كما أنكم بنو امرأة ، ما هجنت حسبكم و لا غيرت نسبكم ، و اعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية ، اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون ) فلما أضاء الصبح ذهبوا إلى مراكزهم فتقدموا الواحد تلو الآخر يذكرون وصية أمهم لهم حتى استشهدوا جميعا ، فلما بلغها الخبر قالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم و أرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته ) ، إن حب الله و رسوله هو الذي حمل الخنساء أن تقدم أبناءها الأربعة شهداء .
معاشر الحضور : من أراد مؤنسا فالله يكفيه ، و من أراد حجة فالقرآن يكفيه ، و من أراد عظة فالموت يكفيه ، و من أراد الغنى فالقناعة تكفيه :
كن غني القلب و اقنع بالقليل مت و لا تطلب معاشا من لئيم
لا تكن للعيش مجروح الفؤاد إنما الرزق على الله الكريــم
و من لم يكفه هذا و لا ذاك فنار ربه يوم القيامة تكفيه ، البر لا يبلى و الذنب لا ينسى و الديان لا يموت ، اعمل ما شئت يا ابن آدم فكما تدين تدان ، و يقول الرسول الكريم : (( كل ابن آدم خطاء ……)) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
معاشر الحضور : و السؤال الذي يطرح نفسه : في أي شيء يتمثل حب الله و رسوله ؟
إن محبة الله و رسوله تقتضي حب الله طاعة ، و حب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اقتداء ، و حب القرآن اتباعا و تطبيقا ، و حب الشريعة مناصرة ، قال الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و رسوله و لا تولوا عنه و أنتم تسمعون )) ، و قال تعالى : (( و إن تطيعوا تهتدوا )) ، و ما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا )) ، و قال تعالى : (( من يطع الرسول فقد أطاع الله )) ، فطاعة الرسول من طاعة الله ، قال الله تعالى: (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم ))
و قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ؟ قالوا يا رسول الله : ومن يأبى ؟ فقال : (( من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فقد أبى )) .
فالمحبة إذا لم تثمر طاعة فليست بمحبة تامة ، بل ليست بمحبة على الحقيقة ، فأين هي محبة الله و رسوله اليوم في واقع المسلمين ؟ هل تكمن في القرآن الذي جعلناه في رفوف المساجد أو آيات تزين بها الجدران، أو ليقرأ على الأموات ، و الله يقول : (( لتنذر به من كان حيا و يحق القول على الكافرين )) يسن .
-و هل تكمن في تضييعنا لأحكام القرآن : فهذا الربا مشاع ، و هذه رشوة مستباحة ، و هذا الزنا ينخر في جسم الأمة ، و هذه خمور ، و هذا فجور ، و هذه شهادة زور و غش في المعاملات، وسنة تحارب و أخلاق منحلة تنبئ عن نفوس خالية من الإيمان ، فأين حب الله ، و أين حب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟
تعصي الإله و أنت تظـهـر هذا لعمري في القياس بديـع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيـع
في كل يوم يبتديك بنعمـة منه و أنت لشكر ذاك تضيع
و الله ولي التوفيق .