حقوق الكتابة للكاتب / خالد عبد الحميد متلقيتو
المصدر
شعار “السرعة قاتلة” أو (أصله بالإنجليزي “السرعة تقتل”) هو من الشعارات المشهورة وهو من الشعارات التي آمنت إدارات المرور بها حتى النخاع ولذا تجد الاهتمام الكبير برادارات السرعة وكاميرات السرعة ومصائد السرعة المنتشرة في أغلب الطرق “السريعة”.
لكن ويا للأسف فإن الأرواح ما زالت تزهق بطريقة مزعجة جدا لدرجة أن ضحايا الحوادث المرورية تفوق بكثير ضحايا كل الحروب التي خضناها ومنذ التأسيس!!!
أين الخلل إذن؟
للأسف فإن إدارة المرور رغم كل هذه الخبرات ما زالت تصر على التمسك بشعار “السرعة قاتلة” وتعمل على الاستزادة من وسائل ومعدات تصيد السرعة والإمساك بمن يتجاوز السرعة المحددة وكأن جهودها السابقة قد أفلحت ولو قليلاً.
لذا دعونا نتأمل قليلا هذا الشعار ونحلله لنعلم إن كان فعلاً مسلك إدارة المرور يخدم الهدف المنشود وهو الحفاظ على الأرواح التي تزهق والدماء التي تسفح على الإسفلت صبحاً مساءً.
أولاً، إن كانت “السرعة قاتلة” فلم لم ينقرض الشعب الألماني لحد الآن ومعلوم عند الكثيرين أن السرعة غير محددة في الطرقات السريعة في ألمانيا؟
إن كان تجاوز 120 كلم/ساعة يعني الدخول في منطقة الخطر فلماذا لم ينقرض الألمان رغم أن سياراتهم تعتبر بشكل عام هي الأسرع في العالم ومن الطبيعي جدا أن تتجاوز السيارات في الطرق السريعة حاجز 200 كلم/ساعة؟
طبعا لا ألوم إدارات المرور في سلوكها هذا المسلك حيث أن الإحصائيات التي لديها تظهر أن أكثر مخالفة تتكرر هي مخالفة “تجاوز السرعة” لذا فمن الطبيعي أن هذه المخالفة هي السبب في الحوادث المتكررة في شوارعنا…!
لكن هنا يبرز سؤال وجيه،
هل إدارة المرور ومنسوبيها بحثوا أو ترصدوا لكل المخالفات؟
أو بشكل أدق، إذا استثنينا المخالفات التي يتم تسجيلها عند تجديد الوثائق، هل توجد هناك مخالفة اهتمت إدارة المرور برصدها غير مخالفة السرعة؟
أو بكلمات مختلفة، هل يتوقع من ذهب لصيد الحبارى أن يجد في جعبته غزلاناً؟
للتوضيح أكثر فربما لا يعلم الكثيرين أن هناك مخالفة تسمى “قيادة متهورة” هي بحسب النظام أكبر من مخالفة “تجاوز السرعة”.
هذه المخالفة تتكرر بشكل يومي وصارخ أمام مرأى سيارات المرور وأمن الطرق المنتشرة في الطرق السريعة وغيرها دون أن يردعها أحد رغم ما ذكرناه من أنها في نظام المرور تعتبر مخالفة أكبر وأشد ضررا من السرعة!!!
لماذا إذن يتم التركيز على السرعة دون هذه المخالفة وغيرها مما هو أدنى؟
الجواب يأتي بسرعة في أن الإمساك بمخالفي السرعة هو عملية سهلة لا تحتاج أكثر من رادار وحاجز ثابت في ما يعرف بمصيدة السرعة!
بينما الإمساك بالمخالفات الأخرى يتطلب جهدا وتيقظاً أكبر من منسوبي المرور وأمن الطرق.
بل حتى مخالفة السرعة يقتصر الاهتمام بها في الطرق السريعة (حيث يفترض أن يكون ضررها هو الأقل) وتترك مخالفات السرعة داخل المدينة وعند الأسواق والمدارس في حالها مثل المخالفات الأخرى وذلك لأن مصائد السرعة يصعب نصبها في هذه الأماكن!!
هل المطلوب إذن أن تتم ملاحقة هذه المخالفات الجسيمة في شوارع المدن والطرق السريعة؟
الجواب لهذا السؤال هو “نعم ولا”
“نعم” لأنه يجب ردع هؤلاء المتهورين سيما في الوقت الراهن حيث أن قلة من يتعامل بحرفية مع قوانين المرور.
“لا” لأنه في رأيي الشخصي فإن من يعتقد أن الحل في مطاردة المخالفات الكبيرة يخطئ جداً لأنه يكون مثل من يجري خلف الحرائق ليخمدها من منزل لآخر.
ما الحل إذن؟
الحل هو في التركيز على المخالفات الصغيرة والمتكررة …
مخالفات من نوع عكس سير في موقف أو وقوف خاطئ أمام مسجد أو مدرسة أو سوبر ماركت.
هذه المخالفات الصغيرة هي اليرقات التي تزرع داخل ضمير السائقين من نعومة أظفارهم لتنمو وتتفتح معهم عندما يكبروا لتفرخ مخالفات جسيمة من نوع القيادة االأولى”.التفحيط والسرعة داخل المدن وقرب المدارس.
هذه الظاهرة تندرج في علم الاجتماع ضمن ما يسمى بإشكالية “النافذة المكسورة” حيث أن المخالفة الصغيرة إن لم يتم تصحيحها بسرعة يتسع نطاقها ليشمل عدد أكبر وشكلاً أعظم حتى تخرج عن السيطرة.
هذه الظاهرة تشبه حالة مدمني المخدرات واللذين أثبتت الدراسات أنه يمكن الحول دون سقوطهم في هذا المستنقع الآسن بالعمل على الحول بينهم وبين “السيجارة الأولى” …
الجميل في هذا الحل هو أنه سهل التطبيق ولا يحتاج الكثير من الجهد والركض من رجال المرور العزيزين حيث كل ما نحتاجه هو شرطي مرور يقف لمدة ساعة في موقف مسجد أو سوبر ماركت أو أمام مدرسة ليسجل عددا غير محدود من المخالفات الصغيرة اللواتي تشبه “السيجارة الأولى”.
أتمنى لكم الاستمتاع